الشيخ محمد الخضري بك

206

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

أنا النبيّ لا كذب * أنا ابن عبد المطلب « 1 » ثم قال للعباس وكان جهوريّ الصوت : ناد بالأنصار يا عباس ، فنادى يا معشر الأنصار ، يا أصحاب بيعة الرضوان ، فأسمع من في الوادي ، وصار الأنصار يقولون : لبّيك لبّيك ، ويريد كل واحد منهم أن يلوي عنان بعيره ، فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين ، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ، ويأخذ سيفه وترسه ، وينزل عن بعيره ، ويخلي سبيله ويؤمّ الصوت حتى اجتمع حول رسول اللّه جمع عظيم منهم . وأنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا لم يروها « 2 » فكرّ المسلمون على عدوهم يدا واحدة ، فانتكث فتل المشركين ، وتفرّقوا في كل وجه لا يلوون على شيء من الأموال والنساء والذراري ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ، فأخذوا النساء والذراري ، وأسروا كثيرا من المحاربين ، وهرب من هرب ، وجرح في هذا اليوم خالد بن الوليد جراحات بالغة ، وأسلم ناس كثيرون من مشركي مكّى لما رأوه من عناية اللّه بالمسلمين . هذا ، والذي حصل في هذه الغزوة درس مهمّ في دروس الحرب ، فإن هذا الجيش دخله أخلاط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالإسلام ، هؤلاء سيّان عندهم نصر الإسلام وخذلانه ، ولذلك بادروا لأول صدمة إلى الهزيمة ، وكادت تتم الكلمة على المسلمين لولا فضل اللّه ، فلا ينبغي أن يكون في الجيش إلّا من يقاتل خالصا مخلصا من قلبه ، ليكون مدافعا حقّا عن دينه ، فلا تميل نفسه إلى الفرار خشية ما أعده اللّه للفارين من أليم العقاب . ثم أمر عليه الصلاة والسلام بجمع السبي والغنائم ، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير ، وأكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية من الفضة ، فجمع ذلك كله بالجعرانة « 3 » . أما المشركون فتفرّقوا ثلاث فرق : فرقة لحقت

--> ( 1 ) قال السهيلي : هو كلام موزون ، وأنه ليس بشعر حتى يقصد به الشعر . وللخطابي في كتاب الأعلام تنبيه على قوله : أنا ابن عبد المطلب : قال إنما خصّ عبد المطلب بالذكر في هذا المقام ، وقد انهزم الناس لنبوته ، وإزالة للشك لما اشتهر ، وعرف من رؤيا عبد المطلب المبشرة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي في رواية البخاري ومسلم . ( 2 ) قال ابن إسحاق قال جبير بن مطعم : رأيت رجالا بيضا على خيل بلق وكانت الملائكة ، فأراهم اللّه لذلك الهوازني على صور الخيل والرجال ترهيبا للعدو . ( 3 ) وقد تكسر العين وتشدد الراء قال الشافعي : التشديد خطأ هي بين مكة والطائف .